عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
125
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين ، وربما جعلوا الاختيار ما اتفق عليه نافع وعاصم ، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سندا وأفصحها في العربية ، ويتلوها في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو والكسائي رحمهم اللّه . ثم قال : فإن سأل سائل : لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة ؟ ألا كانوا أكثر أو أقل ؟ » . فالجواب : أنهم جعلوا سبعة لعلتين : إحداهما : أن عثمان رضي اللّه عنه كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار ، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف . والثانية : أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن ، وهي سبعة على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك ، إذ عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى . وقد ألف ابن جبير المقرئ « 1 » - وكان قبل ابن مجاهد - كتابا في القراءات وسماه « كتاب الخمسة » ، ذكر فيه خمسة من القراء لا غير ، وألف غيره كتابا وسماه « كتاب الثمانية » ، وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي ، وهذا باب واسع . قال : « وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا : أن ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ، ووافق لفظه خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها ، ولو رواه سبعون ألفا ، مفترقين أو مجتمعين ، فهذا هو الأصل الذي بني عليه في ثبوت القراءات عن سبعة أو عن سبعة آلاف ، فاعرفه وابن عليه » . قال أبو علي الأهوازي : وإنما كانوا من هذه الأمصار الخمسة دون غيرها لأجل أن عثمان رضي اللّه عنه جعل لكل مصر من هذه الأمصار مصحفا ، وأمر باتباعه ، ووجه بمصحف إلى اليمن ، وبمصحف إلى البحرين ، فلم نسمع لهما خبرا ولا رأينا لهما أثرا . قال : « وهؤلاء السبعة لزموا القيام بمصحفهم ، وانتصبوا لقراءته ، وتجردوا لروايته ، ولم يشتهروا بغيره ، واتبعوا ولم يبتدعوا » . قال : « وقد كان في وقتهم جماعة في مصر كل واحد منهم من القراء ولم
--> ( 1 ) ابن جبير المقرئ : هو أحمد بن جبير بن محمد بن جعفر بن أحمد ، أبو جعفر ، وقيل : أبو بكر الكوفي . نزيل أنطاكية ، من أئمة القراء ، توفي سنة 258 ه . ( انظر : غاية النهاية 1 / 42 ) .